ابراهيم بن محمد البيهقي
161
المحاسن والمساوئ
المؤمنين إن كانت من فرائض كلب فلم يروها فلا أرواها اللّه ، فأمر لي بمائة من الإبل . وحدثنا المدائني عن كيسان عن الهيثم قال : حج عبد الملك بن مروان ومعه الفرزدق « 1 » ، فبينا هو قاعد بمكة في الحجر إذ مر علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعليه مطرف خزّ ، فقال عبد الملك : من هذا يا فرزدق ؟ فأنشأ يقول : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرم هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها : * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ينمي إلى ذروة العزّ التي قعدت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم مشتقّة من رسول اللّه نبعته * طابت عناصره والخيم والشّيم في كفّه خيزران ريحه عبق * من كفّ أروع في عرنينه شمم ينشقّ نور الدّجى عن نور غرّته * كالشّمس تنجاب عن إشراقها الظّلم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلّم إلّا حين يبتسم من معشر حبّهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السّوء والبلوى بحبّهم * ويستربّ به الإحسان والنّعم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا إن عدّ أهل النّدى كانوا أئمّتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهم * في كلّ برّ ومختوم به الكلم قال : فلما فرغ من شعره قال لهم عبد الملك : أو رافضي أنت يا فرزدق ؟ فقال : إن كان حب أهل البيت رفضا فنعم ، فحرمه عبد الملك جائزته ، فتحمل عليه بأهل بيته فأبى أن يعطيه ، فقال له عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب : ما كنت تؤمل أن يعطيك ؟ قال : ألف دينار في كل سنة . قال فكم تؤمل أن تعيش ؟ قال : أربعين سنة ، قال : يا غلام علي بالوكيل ، فدعاه إليه ، وقال : أعط الفرزدق أربعين ألف دينار ، فقبضها منه . قيل : ودخل الفرزدق على سكينة بنت الحسين ، فقالت له : من أشعر الناس ؟ قال : أنا ، قالت : كذبت ، أشعر منك الذي يقول :
--> ( 1 ) هو همام بن غالب لقب بالفرزدق لغلاظة وجهه وجهومته وكنيته أبو فراس ولد في البصرة وتوفي في ولاية هشام بن عبد الملك .